تبلغ معظم المشاريع ذروتها في يوم افتتاحها. تكون الصور جديدة، والمساحات الخضراء متقنة، وجناح المبيعات لا يزال يعجّ بالحركة. بعد خمس سنوات، تخفّ كثافة الزراعة، وتتبدّل المحال التجارية مرّتين، ولا أحد يعرف من يتحمّل مسؤولية المجال العام.
الفرق بين المشاريع التي تتلاشى وتلك التي تزداد قيمة مع مرور الوقت نادرًا ما يكون مرتبطا بالميزانية فحسب. بل هو سلسلة من القرارات المنضبطة يتم اتخاذها مبكرًا ويُلتزم بها: اختيار أرض جيدة للاستثمار، تصميم مخطط رئيسي يصمد أمام تغيّر الأذواق، حماية المساحات المفتوحة، والالتزام بإدارة المجتمع طويلًا بعد التسليم.
تمثل جزيرة الجبيل نموذجاً واضحاً لما يمكن أن تحققه هذه القرارات عندما يتم تنفيذها برؤية واضحة ومدروسة.
أكثر العناوين المرغوبة في العالم تشترك في صفة واحدة لا يمكن لأي فريق تصميم صناعتها: الأرض ذات قيمة قبل أن يُبنى عليها أي شيء. ساحل محمي. منطقة ثقافية.على بُعد دقائق من عاصمة.
وعندما تكون الأرض استثنائية، يصبح السؤال الأول هو مقدار المساحة التي ينبغي الحفاظ عليها دون تطوير. وهذا القرار أكثر صعوبة مما يبدو. فكل متر مربع لا يتم تطويره يمثل مساحة كان من الممكن بيعها
تقع جزيرة الجبيل بين اثنتين من أشهر جزر أبوظبي، محاطة بغابات القرم المحمية وأكثر من 30 كيلومترًا من الواجهة البحرية.
المعادلة بسيطة. إذا تم التعامل مع الأرض باعتبارها مجرد مساحة يجب تغطيتها بالمباني فقد تكون النتيجة مبهرة بصرياً. لكنها نادراً ما تتحول إلى مكان يشعر الناس تجاهه بانتماء حقيقي.
الكتيّب التسويقي له عمر لا يتجاوز بضعة أشهر. أما المخطط الرئيسي فيجب أن يحافظ على منطقه لخمسين عامًا.
الأسئلة الحاسمة:
هل يستطيع السكان الوصول سيرًا إلى احتياجاتهم اليومية؟
أين تحدث تفاصيل الحياة اليومية – إيصال الأطفال إلى المدرسة، قهوة الصباح، نزهة المساء؟
كم من الأرض يبقى غير مبني بشكل دائم ليتمكن المجتمع من التنفّس؟
تجيب جزيرة الجبيل عن هذه الأسئلة من خلال ست قرى هي مرفأ الجبيل وند الظبي وسوق الجبيل وسيف الجبيل وعين المها وبدع الجبيل.
ويشكل سوق الجبيل القلب الحيوي للجزيرة حيث يربط بين القرى ويوفر خدمات التجزئة والصحة والرفاه والمجتمع على مسافة قصيرة من كل منزل.
هيكل القرى يؤدي دورًا أكبر مما يبدو. فهو يخلق خصوصية على مستوى الحي بينما تحمل الجزيرة ككل خدمات مدينة صغيرة متكاملة.
غالباً ما تواجه المشاريع الضخمة الموحدة صعوبة في الجمع بين الخصوصية والشعور بالانتماء. أما مجموعة القرى المتكاملة فتتمكن من تحقيق الاثنين بصورة أكثر طبيعية.
لالتزام بالمرحلية يعزّز القيمة. عندما يُستكمل كل طور كما يجب قبل بدء التالي، تميل الأسعار إلى الثبات.
وقد تم بيع جميع الوحدات في القرى القائمة بجزيرة الجبيل. فيما تقتصر الوحدات المتاحة حالياً على قرية بدع الجبيل.
غالباً ما تسعى المشاريع الفاخرة إلى تقديم تصاميم معمارية لافتة تهدف إلى الظهور بشكل مميز في الصور أكثر من قدرتها على دعم تجربة الحياة اليومية. ولهذا تبدو بعض المشاريع الراقية أفضل في المواد التسويقية منها عند السكن الفعلي.
في منطقة الخليج يجب أن تستجيب العمارة السكنية أولاً للمناخ والإطلالات قبل أن تستجيب للأسلوب المعماري.
وعندما تتم معالجة هذه العناصر بالشكل الصحيح تتراجع المباني بصرياً قليلاً لتترك للمكان نفسه الدور الرئيسي. وهذا هو المطلوب في موقع مثل جزيرة الجبيل حيث لا يفترض أن تكون العمارة هي العنصر الوحيد الذي يجذب الانتباه.
في مختلف أنحاء جزيرة الجبيل تتجه المنازل نحو المياه والقنوات الطبيعية. وتمتد الحدائق لتندمج مع الممرات الخضراء المشتركة. فيما تحافظ اللغة المعمارية على حضور هادئ ومدروس.
والكلمة الأساسية هنا هي التعاون.
يحدد المطور المعايير. يدرس المعماريون طبيعة الأرض. وتحافظ الجهات التخطيطية على الرؤية الأوسع للمشروع.
عندما يهيمن صوت واحد، يمكن ملاحظة ذلك بسهولة.
بعض المجتمعات تمنح السكان إحساساً شبيهاً بالمنتجعات. بينما تبدو مجتمعات أخرى أقرب إلى مشاريع إسكان تقليدية.
وغالباً ما يرتبط الفرق بخبرة المطور في قطاع الفنادق والضيافة.
تشكلت محفظة ليد للتطوير العقاري من خلال خبرة طويلة في الضيافة قبل أن تتوسع في تطوير المجتمعات والجزر. وتشمل هذه الخبرة Waldorf Astoria DIFC وSofitel Dubai Downtown إلى جانب مجتمع الفلل في حد السعديات.
والعمل مع مشغلي الفنادق يرسخ درساً أساسياً. تجربة الضيف يتم تصميمها بعناية ولا يتم تركها للصدفة.
وعندما يتم تطبيق هذا المبدأ على التطوير السكني تتغير حتى القرارات اليومية البسيطة.
يتم تصميم تجربة الوصول بعناية. وتُحافظ المساحات الخضراء بمعايير المنتجعات لا الطرقات.
كما يتم إدراج النادي الشاطئي والمراسي والمرافق الرياضية ومرافق العافية والمدارس والعيادات ضمن المخطط الأصلي منذ البداية. وليس بعد بيع المنازل.
المقياس الحقيقي لجودة البناء يظهر غالباً في الأماكن التي لا تصل إليها صور الحملات التسويقية: البنية التحتية. والخدمات. وسجلات السلامة، ومدى استعداد المطور لإبطاء وتيرة العمل عندما يكون التسريع على حساب الجودة.
ويمكن قياس بعض هذه العناصر بشكل واضح.
فقد كرمت بلدية مدينة أبوظبي برنامج جزيرة الجبيل بعد تسجيل سبعة ملايين ساعة عمل في الموقع دون إصابات تتسبب في فقدان وقت العمل.
كما تم استكمال وتشغيل البنية التحتية التي تشمل الكهرباء والمرافق والطرق. وتم وتسليم أكثر من 1,000 منزل.
اختيار المواد يتبع المنطق نفسه. في بيئة ساحلية، كل مواصفة هي قرار حول كيف سيبدو المنزل بعد عشرين صيفًا، لا يوم التسليم فحسب.
تعد الاستدامة من أكثر الكلمات استخداماً في القطاع العقاري. ولذلك فإن الاستدامة التي تحمل قيمة حقيقية هي تلك التي يمكن دعمها بأرقام واضحة.
تلتزم جزيرة الجبيل بزراعة مليون شجرة قرم، مساهمة في هدف الإمارات الوطني بزراعة 100 مليون بحلول 2030.
كما تم إنشاء مركز ابتكار القرم بالتعاون مع هيئة البيئة في أبوظبي بحيث تصبح الأبحاث جزءاً من الموقع نفسه وليس مجرد عنصر يظهر في المواد التسويقية.
هنا نعود إلى النقطة التي بدأنا منها. وهي أيضاً من أقل الجوانب التي يتم الحديث عنها في القطاع.
تشمل الإدارة طويلة الأمد صيانة المجال العام، تنسيق التجزئة، حوكمة المجتمع، والاستثمار المستمر في الثقافة والمرافق.
المجتمعات إما أن تتم رعايتها وتطويرها باستمرار أو يتم تركها لتتراجع بمرور الوقت.
وعلى المشترين الذين يفكرون في شراء عقار فاخر في أبوظبي أن يطرحوا على المطورين ثلاثة أسئلة مباشرة.
من يدير المجتمع بعد التسليم، ولأي مدة؟
كيف يتم تحديد معايير الخدمة؟ وكيف يتم تطبيقها؟
وما الاستثمارات المستقبلية المخطط لها للمرافق والثقافة والمساحات العامة؟
المطور الذي يمتلك إجابات واضحة على هذه الأسئلة لا يخطط ليتم تقييمه يوم الإطلاق فقط. بل يخطط لأن تظل مشاريعه قادرة على إثبات قيمتها في عام 2050.
عند إزالة التصاميم والعروض، يتلخّص المشروع الأيقوني في ستة عناصر: أرض مميزة، تخطيط دقيق، عمارة تحترم المكان، خدمة بمعايير الفنادق، التزام بيئي، ومطوّر يبقى.